محمد أبو زهرة

1536

زهرة التفاسير

كبيرة إلا أحصاها . فيوم القيامة هو الذي يقوم الناس فيه لرب العالمين ، وتقوم أعمالهم من بين أيديهم وتنطق بها جوارحهم ، وتقوّم تلك الأعمال بقيمتها الحقيقية ، ويذهب الزيف ولا يكون إلا الحق الخالص ، ومعنى توفية الأجور إعطاؤها كاملة لا نقص فيها ، وإذا قلنا إن الأجر هو العطاء فإن مجازاة المسىء بقدر إساءته هو العطاء العدل . والخطاب هنا للأشخاص لا للنفوس وحدها ، فذوق الموت للنفوس ، ولكن الجزاء للأشخاص إذ تلتقى الجسوم بالنفوس ، ولذلك خاطب الأشخاص فقال سبحانه : وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ . وإن السياق الذي ذكرنا عليه أكثر المفسرين وهو أن توفية الأجر تشمل الثواب والعقاب ، ولكن أرى أن روح الآية وما اقترن بها من بعد يدل على أن الجزاء هنا هو العطاء الصرف بنعيم يوم القيامة لمن يستحقونه ، فالخطاب للمؤمنين تعزية للنبي صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين عند تكذيب المكذبين ، ولذا قال سبحانه إن أول عطاء هو البعد عن النار ، فقال سبحانه : فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ . الزحزحة عن النار الإبعاد عنها ، والتنحية عنها ، وهو تكرار الزح بمعنى الإبعاد ، والمعنى أن من أبعد عن النار بعد تكرار التنحية عنها فقد فاز فوزا مطلقا ، والنص يشير إلى أن أعمال الإنسان ترديه ولا تنجيه ، وأنه لكي يبعد عن النار ويتجنبها يكون كالمحتاج لمجهود ، وتكرر الزح والتنحية كشىء ثابت ملازم لها ، لا يبعد عنها إلا بمجهود ، وذلك تصوير دقيق لعفو اللّه ورحمته وغفرانه ، وأن المرء لا يبعد عن النار إلا بعد تكرار الرحمة والمغفرة ، وأن البعد عن النار ثم دخول الجنة هو أكبر الفوز ، وهذا كله على أساس أن الزحزحة والتنحية في الآخرة التي هي دار الجزاء ، ويصح أن يكون المعنى في الدنيا ، بالأخذ في أسباب التوقي من النار ، ودخول الجنة ، ويكون السياق هكذا : من غالب شهواته وجاهد أهواءه وإنها لصعبة المراس تحتاج إلى صبر وضبط ، فإنما يزحزح نفسه عن النار بتوقى أسبابها ، ويدخل نفسه الجنة ، واتخاذ الوسائل الموصلة إليها ، فالزحزحة هي جهاد الأهواء التي هي أسباب النار ، وليس ذلك التفسير ببعيد ، وإن كان الأول أوضح وأبين .